لماذا وافقت "حماس"
على دخول الانتخابات التشريعية عام 2006 ؟ د. أحمد محمد بحر
أ.د.الجامعة الإسلامية – غزة
بعد مرور ما
يزيد عن عشر سنين عجاف من المفاوضات العقيمة مع الكيان الصهيوني
والتي توّجها المجرم "شارون"ط
باقتحامه "المسجد الأقصى"
بثلاثة آلاف شرطي صهيوني، على إثر ذلك هبَّ الشعب الفلسطيني بكل
قواه وفصائله المجاهدة ملبياً نداء "الأقصى"
فكانت "انتفاضة
الأقصى" التي استمرت مدة خمس سنوات لم
يستطع العدو الصهيوني بكل ما يملك من قوة أن يحسم المعركة، والتي
أسفرت عن إجبار الجيش الإسرائيلي -الذي لا يقهر- على الانسحاب من
"غزة هاشم" مذلولاً مقهوراً ومن يومها أدرك الشعب الفلسطيني أنّ
خيار المقاومة هو الطريق الوحيد لدحر الاحتلال.
لقد بات من المؤكد بعد اندحار العدوّ وانتصار المقاومة أنه لا
مكانة لاتفاقية" أوسلو" ولكل الاتفاقيات التي جاءت من بعدها كخطة
"تنت"، و"ميتشل"،
وخارطة الطريق فدبابات "شارون" داستها ودمرتها،
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالمقاومة غيرت معالم الخارطة السياسية
للشعب الفلسطيني، فنهج المقاومة انتصر على نهج المفاوضات، وأخذت
البوصلة تتجه نحو التوق لتحرير "القدس" كما حررت "غزة"،
حتى من أولئك المؤيدين والمدافعين عن نهج
التفاوض، حيث بات الكثير منهم على قناعة
بأن اليهود لا يفهمون إلا لغة القوة وما السلام الذي يريدونه إلا
ما يحفظ أمنهم ويقضي على المقاومة وتدمير بنية الشعب الفلسطيني
أمنياً وأخلاقياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وقد عبر عن ذلك
(أبو عمار) رحمه الله قبل أن يسمّوه حين رجع من "كامب ديفيد" فقال:
إن "اليهود"
يريدوننا أن نكون كلاب حراسة لهم
لقد أصبح "الشعب الفلسطيني"
في مرحلة تحرر بعد الاندحار الصهيوني، وهذه المرحلة تحتاج إلى
تضافر الجهود ورصّ الصفوف لبناء ما دمره الاحتلال، ولذا كان
الإعلان عن إجراء الانتخابات في 25/1/2006م لإفراز
قيادة جديدة للشعب الفلسطيني ترسم معالم الخارطة السياسية الجديدة
وعليه فقد أعلنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"
قرارها خوض الانتخابات التشريعية منطلقة من مفهوم السياسية الشرعية
والرؤيا السياسية للحركة الحريصة على مصلحة الشعب الفلسطيني
ولتعزيز وحدته والمحافظة على ثوابته
ومن ثم فقد كانت موافقة "حماس"
على دخول الانتخابات لأسباب كثيرة موضوعية نذكر منها:
1- ليس هناك أي مرجعية للانتخابات
التشريعية التي ستعقد في 25/1/2006م سوى القرار الفلسطيني الذي
اتخذ بموافقة فلسطينية فلسطينية (السلطة والفصائل الفلسطينية بما
فيها فتح وحماس) في جلسة الحوار التي عقدت في "القاهرة"
في مارس/آذار 2005م بحضور "الأشقاء
المصريين". وهذا خلاف ما حصل في
انتخابات الـ96م التي كانت مرجعيتها اتفاقية "أوسلو"
التي تخضع للإملاءات الصهيونية
2- تجري الانتخابات في ظل الاندحار
الصهيوني من قطاع" غزة"
الذي يعد في الساحة الفلسطينية نصراً فلسطينياً مؤزراً، استطاعت
فيه الفصائل الفلسطينية المقاتلة أن تنتزع هذا النصر رغم جبروت
وغطرسة العدو الصهيوني وأصبح بديهياً في
وعي الجماهير الفلسطينية أن هذا النصر يأتي في ظل سقوط خيار
التفاوض وانتصار خيار المقاومة. ولذا فقد تم تجاوز "أوسلو"
لأن النتائج التي أفرزتها المقاومة جعلتها خلف الظهر ليبدأ الشعب
الفلسطيني مرحلة جديدة في التطلع نحو استكمال مشروع المقامة لتحرير
كامل التراب الفلسطيني
3- لقد جاء قرار "حماس"
دخول الانتخابات من خلال مشاورات ومداولات مستفيضة شملت مختلف
مؤسسات الحركة الشورية وهيئاتها القيادية في الداخل والخارج بما في
ذلك أسرى الحركة في سجون الاحتلال، وذلك على قاعدة التمسك بالثوابت
الفلسطينية وحماية برنامج المقاومة كما وجاءت هذه الموافقة استجابة
لنبض الشارع الفلسطيني ورغبته وحرصه على مشاركة حماس وجميع الفصائل
في الحياة السياسية وذلك للخروج من المأزق الذي يعاني منه الشعب
الفلسطيني
4- قررت "حماس"
المشاركة انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية
تجاه شعبنا وقضيته والمساهمة في تخفيف معاناة المواطن وتعزيز صموده
وحمايته من الفساد الذي استشرى داخل المجتمع الفلسطيني حيث يعتقد
85% من أبناء شعبنا- وحسب استطلاعات الرأي- أنّ
السبب في الفساد يرجع إلى السلطة وأجهزتها الأمنية، ولذا فإن
محاربة الفساد وردّ المظالم إلى أهلها، وإيقاف إهدار المال العام
وإنهاء الفساد الإداري والمالي هو من واجب الحركة ولا يمكن تحقيق
ذلك إلا عبر صندوق الاقتراع الذي أصبح استحقاقاً وطنياً واتفاقاً
فصائلياً ومطلباً شعبياً
5- لقد استطاعت حماس بفضل الله
تعالى خلال الانتفاضة الأولى والثانية أن تقدم
نموذجاً فريداً في التضحية والفداء وعلى كل المستويات السياسية
والعسكرية والإعلامية والتنظيمية والجماهيرية فحققت الشرعية
الجهادية على أرض الواقع ونالت كل التقدير والاحترام على المستويين
العربي والإسلامي بحيث أصبحت بارقة أمل في تحقيق النصر والتمكين.
ومن ثم فلا بدّ من مواصلة الطريق لتحقيق
الشرعية الدستورية عن طريق الانتخابات وفعلاً خاضت حماس الانتخابات
النقابية والبلدية وحققت نجاحاً باهراً أذهل الجميع وخاصة في بلدية
نابلس وها هي تستعدّ لخوض الانتخابات
التشريعية ليس حباً لمنصب أو جاه أو سلطان وإنما من أجل حماية
مشروع المقاومة وتعزيز الشراكة السياسية للمساهمة في بناء الوطن
الفلسطيني على أسس سليمة ومتينة تستعصي على كل التحديات والضغوطات
والإملاءات والتفريط بالثوابت تخوض غمار
المعركة الانتخابية بكل ثقة ويقين وتتقدم ببرنامجها الطموح لشعبها
المجاهد على أمل أن يختار الناخب الفلسطيني قائمة " التغيير
والإصلاح " على اعتبار أنها الأقدر على تحقيق أهدافه وطموحاته،
ووقتها ستكون حماس في قلب البرلمان وقد أخذت شرعيتها الدستورية من
عمق الجماهير الفلسطينية التي تتوق إلى الحرية والاستقلال.. هذا
الانتصار المرتقب لحماس بإذن الله سيشكل صفعة قوية في وجه الصهاينة
والأمريكان الذين يعتبرون حماس منظمة إرهابية تعمل خارج إطار
طموحات ومصالح الشعب الفلسطيني. لقد بات من المؤكد وحسب استطلاعات
الرأي أن حماس ستحقق فوزاً كبيراً في الانتخابات مما يبرهن للعالم
أن المقاومة هي ضمير الشعب والأمة وتعبير عن إرادتها ورغبتها
الحقيقية في مواصلة طريق الجهاد حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني
6- "حماس"
تشارك في الانتخابات لأن القضية الفلسطينية هي الأهم والأخطر على
المستويين العربي والإسلامي لما تحمله من أبعاد إسلامية تمس عقيدة
المسلمين جميعاً. فالقدس جزء من عقيدة المسلم والتفريط فيها هو
تفريط في العقيدة " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً
مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي
بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ البَصِيرُ " الإسراء آية 1. ولذا فإنه لا يمكن لفصيل أو
حزب مهما بلغت قوته أن يستفرد بإدارة الصراع مع العدو الصهيوني،
وعليه "فحماس"
وهي تتقدم للمشاركة تشعر بعظم المسؤولية
وثقل الأمانة حيث أنها ستعمل على تصويب المسيرة وترشيد مسارها وحشد
طاقات الأمة من أجل بناء المشروع الوطني الكبير ليس على المستوى
الفلسطيني فحسب بل على المستوى العربي الإسلامي والدولي
سائلين الله أن يحقق لهذه الأمة
النصر والتمكين
" وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ
الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا
لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ "الأنبياء آية 105، 106
¤¤¤¤¤¤¤¤
جميع الحقوق محفوظة لموقع
الشيخ أحمد ياسين - القاهرة 2006