العظيم المتواضع .. الذي أتقن لغة العيون

 سامي عبد الرؤوف عكيلة/ صحفي حر

عادة لم يكن الذهاب إلى الشيخ الشهيد الجليل أحمد ياسين بغرض المقابلة وتقصي الأخبار، وإنما لاستمداد دفئ غريب قربه، وطمأنينة عجيبة جواره، لقد امتلك قلوبنا وملأ علينا مهنتنا.

شخصية رزينة ..
تمتع الشيخ بشخصية رزينة هادئة كانت تدفع بالصحفي لأن يسأل ما يجول في خاطره دون خوف من ردة فعل غاضبة أو سخرية لاذعة.
كما وعُرف عنه تركه مساحات زمنية بين الجملة والجملة، الفكرة والفكرة، مما يتيح للإنسان التفكير و التأمل وتوقع الإجابات.
لقد استطاع الشيخ أن ينسي الصحفي الذي لديه أنه يقف عند شخصية عامة أو رمز شعبي كبير، فكان يشعره بأنه في حضن والد حنون، وشيخ بسيط طيب.

عيون مبتسمة ..
بعيونه المبتسمة كان يغوص في أعماق عيون الذي أمامه، إلى حد يجعله يدير وجهه إلى الناحية الأخرى خجلاً، فهي ثقة بالنفس و قوة في الشخصية أمتلكها الشيخ رحمه الله تعالى.
من ناحية ثانية لم يكن بمقدور الصحفي استفزاز الشيخ تحت أي ظرف من الظروف، وهنا أذكر سؤالي له في مسيرة تشييع المهندس إسماعيل أبو شنب عضو المكتب السياسي لحركة حماس " ما ذا لو استمرت الاغتيالات ضد قادة حركة حماس، هل ستتحول حركة حماس إلى تنظيم سري ؟"، عندها طلب مني أعادة السؤال مرة أخرى، وبعد أن أعدته عليه أطال النظر طويلاً في المد الجماهيري من حوله وقال بابتسامة واثقة:" لا يا سيدي .. لن تتحول إلى تنظيم
سري ولا غيره، وإنما من الممكن أن تتحول إلى حركة جماهيرية عامة، فحركة حماس ليست تنظيم سياسي فحسب بل هي حركة جماهيرية امتلكت القلوب"، و من ثم استكمل إجابته لي كالعادة بابتسامته العريضة المصحوبة برفع حاجبيه إلى أعلى.

في انتظار الشهادة ..
بعد أن كثف الاحتلال الصهيوني لغة الوعيد والتهديد ضده بالاغتيال، سألته وهو نائم على ظهره في بيته :" وأنت معروف المكان قليل الاحتياطات الأمنية، ألا تخشى على نفسك غدر الغادرين ؟
 عندها تحول الشيخ بوجهه من الجهة المقابلة التي كان ينظر إليها، ونظر إليَّ نظرةً عميقةً ثاقبةً انتهت بابتسامته العريضة المعتادة:" يا هذا وهل أخشى الشهادة ؟!!، وممن سأخاف هل أخاف ممن آجالهم وأجلي وأجلك في يد الله؟!!ها أنا أجلس في بيتي وما كتبه الله سيكون".

والمقابلات التي جمعتني بالشيخ أحد ياسين رحمه الله، والتي شرفني الله تعالى بها تشير إلى:
1
.     ثقته العالية بنفسه والفكرة التي يؤمن بها.
2
.     الهدوء والسكينة.
3
.     الحكمة والذكاء.
4.     العزة والإباء والتحدي التي كان يتفطر بها وجهه، وتقطر بها كلماته.
5.     القدرة الفائقة على اختيار الألفاظ المناسبة وانتقاء التعبيرات الدالة.
6.     سيطرته على سير الحوار، فكان لا يعطي غير الإجابة التي يريد أن يعطيها، ولا يقول شيئاً مرغماً، أو بدون قصد.
7.
  إتقان لغة العيون، فالذي كانت تتحدث به عيون الشيخ أحمد ياسين أكثر بكثير مما كان يتحدث به لسانه، فلقد امتلك الشيخ لغة العيون الناطقة والصمت المتكلم، والى جانبها إيماءات الوجه التي كانت تعينه على الاتصال الفعال بالآخرين وتوفر عليه حديث كثير.

شهادة لابد من ذكرها ..
ولا يفوتني في هذا المقام إلا وأن أذكر تلك القصة التي أقسمت أن أذكرها في كل مجلس يذكر فيه الشيخ، فهي شهادة له بعظيم إخلاصه.

في صباح عيد الأضحى الذي سبق استشهاده رحمه الله ذهبت لأسجل له كلمة إلى الشعب الفلسطيني بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك لإذاعة صوت الأقصى، الشيخ الذي كان ملقى على ظهره حيث كان الإعياء ظاهراً عليه تحدث لي بكلمات بدت وكأنها وصيته الأخيرة فقال:" بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات يا أبناء الشعب الفلسطيني العظيم، يا أبناء الأمة العربية والإسلامية، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، كم هتفنا في الماضي من أجل عزتنا وأمتنا وكرامتها، كم هتفنا للأوطان، وكم كتبنا للأوطان وبقي شئ واحد، العيد الآخر المنتظر، وهو عيد النصر والتحرير.....
وهنا لا يسعني إلا أن أوجه كل التحية لأسر الشهداء وإخوان الشهداء وأخواتهم وأمهاتهم الذين ضحوا بحياتهم من أجل هذا الوطن، من أجل الحرية من أجل الاستقلال، كل التحية والتقدير لاولئك الرجال الذين خلف القضبان الذي لا زالوا في الأسر والذين هم في قلوبنا، في سويداء القلوب، نقول لهم صبراً، فصبرٌ جميل والله المستعان، وسيأتي اليوم الذي ستتحررون فيه إن شاء الله تعالى......
تحية إلى هذا الشعب الصابر الذي تحمل الصعاب، تهدم بيوته وأشجاره، يحاصر شعب كامل في سجن كبير، تحية له في هذا اليوم، يوم التضحية والفداء، إنه قادم إن شاء الله والنصر قادم
والسلام عليكم وحمة الله وبركاته".

تواضع العظماء ..
لدى انتهاءه طلبت منه أن يزيل كلمته بذكر اسمه وصفته على غرار باقي الشخصيات التي سجلت معها لنفس الغرض، فقال لي وماذا تريدني أن أقول قلت له قل:" الشيخ أحمد ياسين زعيم ومؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس" عندها مد بصره في عيوني لعشر ثواني تقريباً شعرت كأنها سنون، نظرة انتهت برفع حاجبيه عاليا (إشارة إلى رفضه القاطع)" قائلاً:" إيش بتقول ؟َََ!! زعيم ايش ؟؟!! انسى الله يرضى عليك شوف لك شغلة غير الشغلة"، فاوضته على ذلك كثيراً فلم يقبل بحل، عندها تدخل الأستاذ إسماعيل هنية الذي كان يحضر المجلس وقال له مازحاً :"يا شيخ طاوع هالراجل خليه يروح على شغله" وعليه طلب مني الشيخ أن ابدأ التسجيل له فظننت انه قَبِلَ أن يقول ما طلبت، فإذا به يقول
"أخوووكم الشيــــــــــخ أحمد ياسين"
ارتحت يخو يلا روح شوف شغلك".

حتى هذه الجملة كما يتضح لكم لم يقلها الشيخ بقوة ربما تدل على إعجابه بنفسه، وإنما قالها ببساطة متناهية تميل إلى الاستهتار والتهاون بالأمر، حيث مد حرف الواو في كلمة "أخوكم"، وحرف الياء في كلمة "الشيخ"، فضلاً عن إشارته إلى أنه قالها فقط من أجل إنهاء الموقف المتعسر فقط بقوله "ارتحت يخو يلا روح شوف شغلك" وبطبيعة الحال حُذفت هذه الجملة من التسجيل.

وبقي التسجيل خالداً للشيخ الزعيم المؤسس يذاع عبر أثير الإذاعات وفي كل محفل كدليل دامغ على إخلاصه، رحمه الله، وصدق نيته وتوجهه لله، ولهذا استحق الشهادة وفاز بها راضياً مرضياً.

كرسيك المتحرك اختصر المدا      وطـوى بك الآفــاق والأزمـانا
عملته معنى الإبــاء فلم يكن     مثل الكراسي الراجـفات هـوانا
معك استلذ الموت صار وفاءه     مثـلا وصــار إباءه عنـوانا

 

English

الرئيسيــــة

إنـه "أحمـد ياسين"

هــؤلاء عرفــوه

كلمات الشيخ "ياسين"

جرائم الصهيونيــة

لقاءات خاصــــة

رسائــل خاصــة

عندما استشهد "ياسين"

ما بعد "الجريمــة" !

 اتصـــل بنــــا

يوم القدس العالمـي .

حماسنا . كوم .

حماسنا . أورج .

حجاب ويب .

من أجل "النواب" المعتقلين.