كيف أتحدث عن ياسين
د.غازي حمد

الحديث عن رجل مثله قد يكون علينا صعبا – نحن الصحفيين الذين مهمتنا احتراف الكلمة و تطويعها لتسبح في بحر كبير من المعاني و المضامين، وإذ أن الرجل من النوع الاستثنائي، قليل النوع و المثل، يستقبلك ببسمة ويودعك ببسمة، ويصغي إليك بصدر مفتوح، وذهن متوقد.

 كثيرة هي المرات التي قابلت فيها الشيخ الشهيد أحمد ياسين، وجلست معه جلسات صحفية مطولة امتدت في كثير من الأحيان للحديث في مواضيع شتى, ولست أبالغ أني كنت أشعر بارتياح قلبي عندما أتحدث إليه، فهو بدءا يشعرك بحسن وكرم ضيافته، وتشعر أنه يقطع من وقته الثمين رغم ما يظهر عليه من انشغال كبير، وعوارض مرض لا تفارقه، و يمنحك الوقت الذي تحب كي تخرج من عنده بجعبة من الأجوبة.

في لقاءاته يحب الشيخ ياسين أن يكون واضحا، فهو ليس من النوع الذي يحسن تلاعب الألفاظ أو الالتفاف وراء المعاني، بل غالبا ما تكون إجاباته واضحة وصريحة ومحددة، ولا تحتاج إلى تأويل أو شروحات، قد يعتبره البعض نوعا من العيب، لكن ربما فطرة الشيخ السليمة قد أكسبته هذا الوضوح و الحزم.

في كثير من المواضيع ذات الحساسية كان الشيخ ياسين ينحى منحى التوفيق، و بالذات فيما يتعلق بالعلاقة مع الفصائل الفلسطينية والسلطة، فهو إنسان ألف اللغة الوسطية التي ترفض التجريح أو التشهير أو الحط من قدر الآخرين، لكن ذلك لم يمنعه أن يكون موقفه أو نقده قويا صريحا قد يغضب الآخرين، فمثلا حينما أغلقت السلطة الفلسطينية المؤسسات الإسلامية الخيرية، لم يجد الشيخ الشهيد غضاضة أن " يلسع " السلطة بعدد من التصريحات، وأن " يقرصها "  قرصا أوجعها، و كشف تخبطها أمام الجمهور الفلسطيني.

في القضايا المتعلقة بالاحتلال والمقاومة، كان الشيخ الشهيد من النوع القوي الذي لم يفكر أبدا بزحزحة آرائه، فهو " أدمن " التكرار والتأكيد على أن الحرب ضد الاحتلال ستستمر بكل قوة، ومهما كان الثمن كبيرا، ومهما كانت التضحيات جسيمة، من خلال خطابه هذا كان الشيخ الشهيد يرسم الطريق أمام جيل اعتقد دوما أنه سيحمل وسام التحرير، ولذا فان غالبية تصريحاته دوما كانت تحث على المضي قدما في القتال والتضحية وعدم التردد والتوقف و لدرجة أن بعض السياسيين كان يعتبرها اندفاعا غير مدروس وجموحا خاليا من تركيبات السياسة المعقدة، لكن حينما بدأ الحديث عن المشاركة السياسية كان الشيخ من رواد هذه النقلة النوعية, إذ أن تصريحاته كانت تعطي انطباعا قويا و مطمئنا بان حركة حماس مع المشاركة بكل قوة، بل أن الشيخ ياسين عاب على السلطة وفتح تلكؤها في ذلك.

ما يعجبك في الشيخ ياسين حينما تتحدث إليه هو صراحته وانفتاحه وعدم تردده في الرد، وحينما لا يقنعك الرد فتعيد عليه السؤال يعيد عليك الإجابة نفسها، وقد يلقي بنكتة حينما يقول لك " بدك تجرجرني !!"

بيته تحول إلى مزار للجميع: صحفيين وطلاب وباحثين عن المساعدة ....الخ
لكن الصحفيين كانوا يحظون عنده بحظوة خاصة، فهو لا يرد لهم طلبا ولا يغلق أمامهم الأبواب، غير أن ما كان يزعجه دوما هو عمليات التحريف التي تجري على تصريحاته – بشكل مقصود أو غير مقصود – فكان في كثير من الأحيان يصر على  مقاطعة صحفي أو مؤسسة إعلامية لهذا السبب، وكان يخشى كثيرا من الصحافة الغربية لأنه كان يعتقد أن كثيرا منهم  أما يبحث عن "فرقعة إعلامية " من خلال جر الشيخ إلى تصريحات حساسة، و إما يريد الأخذ من كلامه بما يتوافق وحاجة في نفس الصحفي، لذا كان حذرا، و في مرات حينما كنت اطلب منه أن يسمح بمقابلة لصحفيين أمريكيين أو ايطاليين أو فرنسيين كان يتردد لكنه، يعاود فيقبل على مضض، ويقول " بس عشان خاطرك ".

حينما فقدنا الشيخ الشهيد ياسين فقدنا الطريق إلى بيته الذي كنا نؤمه دائما  .. كانت أقدامنا تجرنا إلى هذا البيت الذي وجدنا فيه مأربنا وحاجتنا ولقينا فيه من الدفء وحسن الضيافة والاستقبال، ما يمكن أن نكتب عنه كثير، لكن غياب الشيخ ربما جفف كثيرا من حبر أقلامنا و من بريق صفحاتنا، إذ أن الرجل وبحق كان علما ومعلما عظيما في حياتنا كبشر أولا، و كإعلاميين ثانيا.

*************

English

الرئيسيــــة

إنـه "أحمـد ياسين"

هــؤلاء عرفــوه

كلمات الشيخ "ياسين"

جرائم الصهيونيــة

لقاءات خاصــــة

رسائــل خاصــة

عندما استشهد "ياسين"

ما بعد "الجريمــة" !

 اتصـــل بنــــا

يوم القدس العالمـي .

حماسنا . كوم .

حماسنا . أورج .

حجاب ويب .

من أجل "النواب" المعتقلين.